عبد الله الأنصاري الهروي

162

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

أمّا قوله : تشرّفا ، فيحتمل أن يريد به استشرافا ، والاستشراف والتشوّف واحد ، وهو / رغبة يستشرف القلب إليها ، أي يتشوّف ويتطلّب ، ويحتمل أن يريد بالتشرّف أي إنّه يشهد لنفسه شرفا خصّه الحقّ تعالى به ، وهو يستره تقيّة ، وهو معنى قوله : يصحبه تقيّة . وأمّا معنى قوله : تشوّف ، فهو طلب للغيبوبة في فناء شاهد ومشهود ، وأعني بذلك شهود الثنويّة التي هي باب التفرقة . قوله : يصحبه تقيّة ، يحتمل معنيين : أحدهما : التقيّة من النّاس ، فلا يكشف لهم سرّا من أسراره ، ولا يطلعهم على خبر من أخباره . الثاني : التقيّة من الالتفات ، فإنّه في الحضرة وأدب الحضرة يأبى الالتفات ، وإذا كانت هذه الحضرة يستحيل فيها الالتفات ، إذ هي تنفي ما سواها ، ولا تبقي للأغيار أثرا في حماها . ومعنى التقيّة كما علمت أن يتوقى الشيء الذي تكرهه . قوله : وتحمله همّة نقيّة ، يعني أنّ هذا التشوّف حمله على الرّغبة همّة نقيّة من الدّنس ، ويعني بالهمّة هنا اللّطيفة المدركة ، ووصفها بالنّقاء لكون صاحب هذه الرّتبة قد تطهّرت أوصافه قبل وصوله إلى هذه النهاية ، ولو بقيت فيه بقيّة لانصبغت بطهارة هذه الحضرة ، فالهمّة نقيّة فيها دائما ، والدّنس الذي طهرت منه هذه الهمّة هو دنس التفرّق ، ولذلك قال : لا يبقى من التفرّق بقيّة ، ويعني بالتفرّق شهود الأغيار ، فكأنّه يشير إلى أنّ صاحب هذه الهمّة قد انطوى في بساط الفناء ، وأذهب نور العين عنه المتى والأين ، وكان في الغاية القصوى لا في مطّلع الأضواء واحتجب حتّى لا ينشر منشوره ولا يطوى . تمّ قسم الأبواب ، يتلوه قسم المعاملات .